حسن الأمين

191

مستدركات أعيان الشيعة

الفتن السياسية والحركات العسكرية ، ويعد مكانا استراتيجيا مهما تتوالى فيه الأحداث حتى أصبحت حالته المعتادة هي الحرب والغارات والخصومات . وقبيلة « قرقلو » ، قبيلة نادر شاه ، هي أحد فرعين كبيرين تنقسم إليها قبيلة « أفشار » التركية ، وكانت تقيم ، مع قبائل أخرى من الأتراك ، في الشمال الشرقي من إيران ، ثم انتشروا في أكثر من ناحية من نواحي تلك البلاد . ولكن الأرجح ، بناء على قول بعض الثقات من المؤرخين ، أن قبيلة « أفشار » هذه تنتمي إلى « الأشكانيين » الأشداء الذين حكمت سلالتهم إيران من سنة 250 قبل الميلاد إلى سنة 226 بعد الميلاد ، أي ما يقرب من خمسة قرون . ولكن اضطرار الافشاريين إلى معاشرة الأتراك مدة طويلة أنساهم لغتهم الأصلية فتكلموا بالتركية . وكانت ولادة هذا القائد العبقري في خيمة من خيام قبيلة « قرقلو » هذه . وأبوه يدعى « إمام قلي » ، رجل مغمور خامل الذكر ، فقير شديد الفقر . وكان فراء على ما يظن . وسمى ابنه « ندر قلي » أو « نادر قلي » باسم جده . ولم يلبث الأب أن توفي بعد قليل من ولادته ( 1 ) ، وعمر نادر أربع سنوات أو ست سنوات . وكان لقبيلة « أفشار » هذه مع غيرها من قبائل الترك الأخرى يد طولى في إقامة ملك الصفويين . انضموا إلى عسكر مؤسسه الشاه إسماعيل الأول الصفوي المعروفين باسم « قزلباش » وحاربوا معه وساندوه في نشر المذهب الشيعي ، وكانوا من أشد أنصار هذا المذهب . ولما بلغ نادر السابعة عشر من عمره أسره الأزابكة في إحدى غاراتهم على تلك النواحي ، وكانوا يغيرون عليها في كل سنة ، وأسروا معه أمه ، بعد أن أبلى في محاربتهم بلاء حسنا وخاطر بنفسه مظهرا شجاعة خارقة . وتوفيت أمه في الأسر ، وبقي هو فيه أربع سنوات استطاع بعدها أن يفر . قاسى في مطلع شبابه فقرأ كان يضطره إلى الاستدانة ليحصل على قوته الضروري . وأحس ، وهو في هذه السن ، أن سلوك طريق أبيه في الحياة لا يتفق وعلو همته وطاقاته ، فسعى كثيرا إلى الالتحاق بخدمة « بابا علي بك كوسه أحمد لو » ، أحد رؤساء قبيلة « أفشار » وحاكم « أبيورد » ( خراسان ) حتى تمكن من ذلك هو وأخ له اسمه إبراهيم في سنة 1122 ه‍ . فشارك المحاربين في قمع الفتن والمنازعات الكثيرة التي كان يثيرها التركمان والأكراد والأزابكة والتتر وقبيلته هو ، قبيلة « أفشار » نفسها . فعرف بالاقدام والشجاعة وتجلت مواهبه العسكرية الفائقة ، وتوالت انتصاراته على المغيرين وقطاع الطرق فأحبه « بابا علي بك » وأكرمه وقربه إليه حين أنه زوجه بابنته . وأخذ يوكل إليه مهمات الأمور من عسكرية وغير عسكرية فيقوم بها خير قيام . وبعث به أكثر من مرة إلى مشهد إلى والي خراسان ليؤدي إليه رسائل ويقوم بمهمات مختلفة . وبعث به مرة إلى العاصمة أصفهان إلى الشاه سلطان حسين الصفوي لمثل هذه الغاية . وترقى في خدمة رئيسه حتى وصل إلى درجة حاجب في حاشيته . وأعجب به كثير من فتيان القبيلة فأحبوه وأخلصوا له الصداقة والنصرة ، ونظم منهم كتيبة مسلحة بقيادته أخذت تدفع المغيرين والغزاة ولا سيما التركمان والأزابكة وتنتصر عليهم في غالب الأحيان . وظل أربع سنوات متوالية لا يغتر عن الحرب والمقاومة حتى قطع دابر المعتدين فلم يجرؤا بعدها على غزو الأفشاريين . وانتشر صيته في كل مكان وأصبح اسمه يبعث الرعب في قلوب المغيرين من التركستانيين والأزابكة . وفي أعقاب هذه السنوات الأربع احتل بلدة « كلات » ، من بلاد خراسان ، واستولى على قلعتها ، وهي قلعة منيعة . وقصة ذلك هي أن حاكم تلك البلدة كان من حساد نادر يخشى تفوقه وتقدمه فأراد اعتقاله بحيلة ، فطلب منه أن يلتحق هو وفرسانه بخدمته ، ليتوصل بذلك إلى وضع يده عليه ثم اعتقاله . فلم يعتن نادر بطلبه وأمهله . فعاد ودعاه إلى وليمة . فأجاب نادر دعوته وهو يسيء الظن به . وذهب مع فرسانه إلى « كلات » ودخل إلى مكان الوليمة مع نفر قليل منهم ، وترك الباقي كمينا في خارج القلعة . ثم هجم على الحاكم فاعتقله ودخل الذين كانوا في الخارج وراءهم فهجموا على حامية القلعة واعتقلوا رجالها ، فتم لهم احتلال « كلات » . وبذلك أقام نادر لنفسه أساس إمارة صغيرة في هذه البلدة . ثم أخذ يجمع أنصارا له من قبيلته وغيرها حتى اكتملت له عدة منهم اتخذوا من « كلات » مقاما لهم ومن قلعتها مقر قيادته العسكرية . ويروى ، في جملة ما يروى عن هذا العبقري ، أنه لما عرف بما نزل بالأمة الإيرانية من مصائب وويلات جاءه إلهام بان عليه أن ينجي إيران مما نزل بها نجاة قاطعة ، وأن يجعل من قلعة « كلات » مقر قيادته العسكرية . ولذلك جمع حوله رجال القبائل المقيمة في تلك النواحي من الأفشاريين والأكراد وغيرهم ، وأقام في هذه القلعة ليتم مهمته التاريخية هذه . . وتابع نادر غزواته حتى استولى على جميع البلدان والقرى الواقعة في السفوح الشمالية من جبال « هزار مسجد » . عند حاكم مشهد وفي سنة 1136 توفي « بابا علي بك » وترك أمواله إرثا لنادر . ولكن نادرا لم يستطع أن يخلف حماه في مقامه لما قام به حساده ومنافسوه من دسائس وما أوجدوه في القبيلة من خلافات ، وتعذر عليه البقاء في « أبيورد » . ووقعت خلافات بين الأفشاريين والأكراد ، ورحل كثير من رؤساء الأفشاريين إلى مشهد والتحقوا بالملك محمود السيستاني حاكم الولاية ليكيدوا عنده لنادر . وكان محمود هذا خارجا على الشاه الصفوي مستقلا بالحكم في خراسان ويرى نفسه أحق بالتاج من الصفويين لأنه كان يعتقد أنه من سلالة الصفاريين . وأراد الملك محمود أن يتقوى بنادر وجيشه فاستدعاه إلى مشهد لينضم إليه . وكان نادر عارفا بسعي رؤساء الأفشاريين به عند محمود . ولكنه قبل دعوته غير هياب ، وهيا خيلا وذخائر وذهب إلى مشهد وانضم إلى عسكره وقبل بان يلازمه ، وهو ينوي إسقاطه . وأخذ يتقرب إليه ويتحين الفرص ويهيأ الوسائل إلى ذلك .

--> ( 1 ) روى أحد المؤرخين أن نادر شاه لما وصل إلى مقام الملك بنى مسجدا في المكان الذي ولد فيه ، وبنى في جوانبه ثلاث ماذن غشاها بصفائح الذهب ، ورفع في أعلاه سيفا من الذهب ، يرمز بذلك إلى أن السيف قد ولد في هذا المكان . ولما انتهى بناء المسجد وتزيينه قال المعمار الذي بناه لنادر شاه : هذا البناء يناسبه أن يكون تاريخ الكتابة التي تنقش عليه مطابقا لتاريخ ولادة الشاه . فضحك نادر شاه وقال : لما ولدت لم يكن في « كلات » كلها و « أبيورد » كلها مثل هذا المقدار من الذهب الذي أنفق على هذه التزيينات ، فأي شيء كانت ثروة أسرتي ! وعليه يجب أن يكون التاريخ هو اليوم الذي اكتمل فيه بناء المسجد « كلات » و « أبيورد » بلدتان من إقليم « درجز » في خراسان . قضى فيهما نادر أيام نشأته وشبابه ) .